فرنسا: الضريبة نمط حياة وفلسفة

«انتبهوا يا شباب! التاء المغلقة لا تدل فقط على المؤنث… وإنما تدل أيضا على المجال اللغوي الذي تنتمي إليه الكلمة، وهكذا سميت الضريبة «ضريبة» لأنها تضرب»، بهذه الطريقة، تكلم أستاذ اللسانيات المستشرق الفرنسي الراحل أندريه رومان في درس من دروسه التي كانت دائما فرصة لاكتشاف المزيد من إبداعات البروفيسور الباحث الأبدي.
«سميت الضريبة ضريبة لأنها تضرب»، جميلة هي الاستعارة، جميلة لأنها معبرة.. ليس فقط كونها تصور جيدا كيف تعمل الضريبة عملها في حافظات النقود والحسابات، لكن أيضا، لأنها تساعد على فهم كيف أصبحت «الضريبة» موضوع المواضيع في فرنسا حاليا. لكن علاقة الفرنسي بالضريبة تعود إلى زمن بعيد.. خذ مثلا «الضريبة على الأبواب والنوافذ» المنبثقة عن إحدى حكومات الثورة الفرنسية سنة 1798، التي كانت تعتمد من بين معايير أخرى على عدد نوافذ البيوت وأبوابها لقياس ثروة الناس. وإذا كانت لفرنسا قصة طويلة مع الضريبة، فليس لمجرد كونها مرتبطة بشكاوى الفرنسيين المعتادة عند كل تداول حكومي، فثمة عامل هيكلي يتجاوز ما يلحظه المراقبون من فورات غضب تطفو على السطح دوريا. هنا، يجب العودة إلى مفهوم الضريبة في علاقتها بالخدمات العمومية اللصيقة عضويا بالفلسفة السياسية الفرنسية.
فرنسا دولة معروفة بخدماتها العمومية. ليس فقط لجودتها (وإن لم تفلت من وضع متأزم) ولكن أيضا لدلالاتها الفكرية والأيديولوجية. فإذا بحثت عن دولة في العالم تتسنم مراتب التفوق، في تنفيذ مقتضيات الدولة الراعية ستجد فرنسا.. نتحدث هنا مثلا عن الرعاية التي يقدمها المستشفى العمومي، لأي شخص موجود على أرض الدولة الفرنسية (رعاية يلوح البعض بإلغائها في وجه غير الفرنسيين)، نتحدث عن المدرسة العمومية المجانية، ومدارس الدولة العليا، التي تكون مناظراتها معفية من رسوم التسجيل. نتحدث أيضا عن القطارات التي تنطلق في الساعة (والتي تصل في الساعة – حسب القول المأثور). بالتالي، حينما نتحدث عن الضريبة في فرنسا، لا نتحدث عن الضريبة فقط، بل نتحدث عن نمط حياة وفلسفة. كل مقابل له ثمن، وليست الضريبة هي الإشكال في حد ذاته، بقدر ما يكون الإشكال في من تستهدفه الضريبة. هنا نعود إلى الموضوع الأبدي الأشمل، وهو توزيع الثروة بمراعاة التوازن بين كسب القوت اليومي بإنصاف، وحق الدولة في اقتطاع من المرتب ما يصلح للشأن العام. فلم نشكُ من الضريبة إذن؟
لم أقل «لم نشكُ من رفع الضريبة؟». في الواقع، من يشكو من رفع الضريبة خاطئ ومحق معا. خاطئ إذا تصور رفع الضرائب كإجراء يستهدفه شخصيا، وكأن كتب له أن يروح ضحية له، لكن محق من حيث ربط فلسفة الضريبة بمشروع المجتمع، الذي تحدده هذه السياسة أو تلك. فالضرائب تختلف باختلاف طبيعتها. لا تؤثر الضريبة على القيمة المضافة مثلا، تأثير الضريبة المقتطعة من الأجور، نفسه (التي تسمى أيضا ضريبة من المصدر).
تقليديا، تتحدد طبيعة الضريبة ووظيفتها وفق طبيعة الطبقات الاجتماعية التي ترجحها هذه السياسة أو تلك، فأنت لا ترسل الرسالة نفسها إلى الرأي العام حسب ما إذا كنت تبني سياستك على تغليب الاقتصاد المسير من الدولة، أو التعويل على المبادرة الخاصة من الشركات. لكن ثمة معطيات موضوعية، منها أن الضريبة على الدخل تعرقل الاستهلاك، كما تربك سيرورة خلق مناصب شغل، زيادة اشتراكات أصحاب العمل التي يمكن اعتبارها نوعا من الضريبة على الشركات. هنا، يجب التذكير بأن العجز العام في فرنسا يصل إلى 3200 مليار يورو، ولن تمكّن هذه الإجراءات إذا ما تم اتخاذها سوى من استرجاع 5 مليارات من اليوروات، حسب تقديرات أبرز خبراء الاقتصاد الفرنسيين.
وبالتزامن تطرح مشكلة «كتلة الأجور»، التي تخفضها زيادة الضرائب حتما، خاصة في الشركات، ما يطرح تواليا موضوع التنافس والاستثمار في الابتكارات.
هل يعني ذلك أنه يجب عدم فعل شيء؟ طبعا لا. لكن الضرائب أشكال وألوان، مثل الضريبة على القيمة المضافة الأقل تأثيرا على الاستهلاك، أو الضريبة على الثروة التي تجسد مساهمة المواطن الأكثر ثراء في دعم عصب اقتصاد بلده.. على نحو يصبح معه وقع «تلك التي تضرب»… أقل ضربا!


Comments 0