صوت اليوم - voicetoday

آسفي.. إقليم وأدته خطايا العامل شينان

في قلب إقليم آسفي، كانت السماء دائما رمادية، كما لو أنها ترثي حال تلك الأرض التي لطالما طالها النسيان والإهمال… ثماني سنوات مرت، وليل الإقليم لم ينجلي، بل ازداد ظلامه عمقا، وكأن السنين حملت معها خطايا لا تغتفر، ونُقشت على جبين المدينة مثل جرح غائر لا يلتئم…
هناك، حيث تتناثر قصص الأمل الضائع والفرص المهدورة، وقف الحسين شينان على رأس السلطة، ولكن بدل أن يكون قائدا يحمل مشعل التغيير، كان مجرد حارس لصمت مميت، وسكوت بلغ حده كجدار سميك بين الحلم والواقع.
الخطيئة الأولى: غياب التجربة في أرض الأحلام المكسورة
لم يكن شينان سوى شاب صعد بسرعة في سلك السلطة، وبدلا من أن تنمو معه التجربة والمعرفة، أحرق المراحل بسرعة كمن يحاول الهروب من مرآة قدره.. جاء إلى آسفي، هذا الإقليم المنسي، وكأنه نجم سقط من السماء، لكن عوض أن يضيء الطريق، خانته التجربة وتاه في عتمة البيروقراطية… كان كاتبا عاما واحدا واشهر قليلة في طرفاية، تلك البقعة من الصحراء المغربية، التي كانت تعرف الصمت مثلما يعرفه آسفي، لكن عندما ارتقى إلى عامل على هذا الإقليم الكبير، وجد نفسه غير مستعد، وغير قادر على حمل همومه الثقيلة…
الخطيئة الثانية: رجال الظل وماضيهم المدمر
هناك، في مكاتب العمالة الباردة، كانت الشبهات تحوم حول رؤساء مصالح وموظفين عاشوا في تلك الغرف لعقود، كأنهم أرواح طوافة تتنفس الفساد دون أن يرف لهم جفن.. ومع ذلك، اختار شينان أن يثق بهم، كما لو أن أعمق أسرار الإقليم معلقة في صدورهم، لكن تلك الثقة كانت خيانة للإقليم وأهله، خيانة لكل من حلم بيوم جديد. فالأيدي الملوثة لا تبني، والأحلام تغرق في وحل الفساد.
الخطيئة الثالثة: الوجوه التي لا تتغير، والفساد الذي لا يموت
في كل انتخابات، كان الفساد يرقص على الساحة… وجوه اعتادت على لعب الأدوار واحتكار المناصب، وكأن الزمن في آسفي متوقف… لم يكن شينان خصما للفساد، بل كان كمن يراقب رقصة الشيطان في صمت.، إذ لم يكسر دائرة الفساد الانتخابي، ولم يصنع البدائل، وكانت النخب الفاسدة تنتصر في كل مرة، بينما تنهزم المدينة وإقليمها، ويتناثر سكانها في شوارع الصبر الطويلة.
الخطيئة الرابعة: أحلام العاطلين التي لم تلامس الأرض
في مدينة تحيط بها المعامل، وتتكدس على أبوابها المشاريع الكبرى، كان من المفترض أن يكون هناك أمل لأولئك الذين ينتظرون فرصة العمل. لكن لم يكن هناك مكان للأحلام في سياسة شينان، فالشركات جاءت، ولم تأتي معها الفرص… اليد العاملة المحلية بقت مجرد متفرج على مشهد التنمية الذي لم يكتمل أبدا.. كانت المصانع كالأطياف، موجودة لكنها بعيدة، لا يسمع لها صوت في بيوت العاطلين الذين يرسمون في أحلامهم فجرا جديدا، ولكن الاستيقاظ دائما ما يعيدهم إلى ظلام البطالة القاسي.
الخطيئة الخامسة: السياحة التي هجرت المدينة
في زوايا آسفي، كان يمكن سماع أصداء زمن مضى، عندما كانت الفنادق تنبض بالحياة، وتجذب الزوار من كل مكان.. لكن الآن، أصبحت تلك الأماكن مجرد أطلال، كما لو أن الوقت نفسه قرر أن يرحل عن المدينة، فأغلقت الفنادق أبوابها، وأصبحت القصص التي تروى عن السائحين وحفلاتهم جزءا من ذكريات المدينة الحزينة.. كان هناك وعد بجعل آسفي مقصدا، ولكن بدلا من ذلك، أغلق فندق فرح أبوابه، وتبعه فندق أطلنتيد، كأنهم يعترفون بأن المدينة قد فقدت بريقها.
الخطيئة السادسة: مهرجانات على حساب الأمل
أنفقت الأموال على المهرجانات، تلك الحفلات التي كانت تزين ليالي المدينة بين حين وآخر، وكأنها تحاول أن تخفي وجع أهلها بالضجيج… لكن خلف الستار، كان الأمل يتلاشى، فلا تنمية، ولا تسويق للمنتجات المحلية، فقط أضواء بهتت بسرعة، وتركت الناس يعودون إلى صمتهم الحزين.. كانت المهرجانات موسيقى بدون لحن، وكان الاحتفال مجرد وسيلة للهروب من الحقيقة المؤلمة.
الخطيئة السابعة: نخب الفساد وصمت المدينة
كان شينان على علاقة وطيدة مع أولئك الذين تلوثت أيديهم بالفساد.. فلم يكن هناك مكان للتغيير، ولا لنخب جديدة تحمل معها أحلاما نقية… كانت نفس الوجوه تعود، وتتحكم في مصير الإقليم، وكأنها ورثته عن آبائها…
في ظل هذا الجمود، توقفت عجلة الزمن في آسفي، ولم يعد هناك من يحلم بالتغيير.
الخطيئة الثامنة: مجتمع مدني على المقاس
ولكي يضمن أن لا يتغير شيء، صنع شينان مجتمعا مدنيا على مقاسه.. مجتمعا لا يفعل شيئا سوى تقديم الولاء… كانت مهمتهم ترديد الكلمات ذاتها، الاحتفال بالقائد، وتقديم فروض الطاعة، بينما كانت المدينة تئن تحت وطأة الفقر والتهميش… كان المجتمع المدني مجرد واجهة زائفة، تخفي خلفها الحقيقة المرة.
هكذا، تمر السنوات، وتمر معها الأحلام التي لم تتحقق، ويبقى الإقليم كما هو، مدينة في انتظار الفجر الذي لم يأت بعد، وقد لا يأتي.
وكلما حاولت المدينة أن تنهض، أثقل كاهلها بخطايا الماضي… إن آسفي لا تحتاج إلى كلمات جوفاء أو وعود فارغة، بل إلى يد قوية تنتشلها من غياهب النسيان، وإلى قيادة تعرف معنى التغيير الحقيقي، لا تلك التي تظل عالقة في دوامة الأخطاء المتكررة، والأحلام الميتة.

error: Content is protected !!