صوت اليوم - voicetoday

صواريخ ”الشناقة“ تدمر جيوب المغاربة

لم تمض سوى أيام قليلة على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حتى بدأت تداعيات “حـ ـرب إيران” تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن المغربي.

غير أن المفارقة الصادمة لا تكمن فقط في تأثيرات الحرب على أسعار الطاقة المستوردة، بل في الطريقة التي تحولت بها بعض الأزمات الدولية إلى ذريعة جاهزة لدى فئة من الوسطاء والمضاربين ومصاصي الدماء لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، حتى بالنسبة للمنتوجات المحلية التي لا علاقة لها لا بالحرب ولا بأسواق النفط العالمية.

ففي الوقت الذي يفترض أن يتأثر المغرب أساسا بارتفاع أسعار المحروقات بسبب اعتماده الكبير على الاستيراد الطاقي، تفاجأ المستهلكون بامتداد موجة الغلاء إلى مواد غذائية وخضر وفواكه ومنتجات فلاحية تزرع في الحقول المغربية وتصل إلى الأسواق دون أن تمر عبر مضيق نفطي أو خطوط إمداد دولية. ومع ذلك، وجد بعض السماسرة في الحرب البعيدة فرصة ذهبية لرفع الأسعار، مستغلين حالة القلق العامة وغياب المراقبة الصارمة.

وفي أسواق الجملة والتقسيط، خصوصا في الدار البيضاء ومراكش وأكادير وآسفي ومدن أخرى، بدأت تظهر فجأة زيادات غير مفهومة في أثمان مواد أساسية، يبررها بعض التجار بارتفاع كلفة النقل أو باحتمال اضطراب الإمدادات بسبب التوتر في مضيق هرمز. غير أن هذا التبرير يبدو واهيا حين يتعلق الأمر بمنتوجات محلية لم تغادر التراب الوطني أصلا، ولم تكن في يوم من الأيام مرتبطة مباشرة بأسعار النفط العالمية.

هذا السلوك يعكس ظاهرة قديمة تتكرر مع كل أزمة دولية: تحويل الخوف الجماعي إلى فرصة للربح السريع. فبدل أن يظل ارتفاع الأسعار محصورا في القطاعات المرتبطة فعلا بالطاقة والنقل، تمتد العدوى بسرعة إلى باقي السلع بفعل المضاربة وغياب الضمير التجاري لدى بعض الوسطاء الذين لا يترددون في استغلال الظرفية لتحقيق أرباح إضافية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

وإذا كانت الحروب تقاس عادة بعدد الضحايا في ساحات القتال، فإن لها ضحايا آخرين في أماكن بعيدة عن المدافع والصواريخ. في المغرب، قد لا تُسمع أصوات القصف، لكن المواطن البسيط يشعر بوقعها في جيبه كلما ارتفع ثمن سلعة محلية بلا سبب حقيقي. وهنا تتحول الأزمة العالمية إلى اختبار أخلاقي للسوق، يكشف الفرق بين تجارة مسؤولة تحترم المستهلك، وبين جشع بعض “مصاصي الدماء” الذين يحولون كل أزمة إلى فرصة للافتراس الاقتصادي.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط إجراءات ظرفية، بل تفرض يقظة مؤسساتية ورقابة صارمة على مسالك التوزيع والأسعار، حتى لا تبقى الأزمات الدولية شماعة يعلق عليها المضاربون جشعهم، وحتى لا تتحول حرب تبعد آلاف الكيلومترات إلى مبرر لنهب جيوب المغاربة داخل أسواقهم المحلية.

error: Content is protected !!