بوعيدة خارج لوائح الاستقلال… سياسي فاشل أم ضحية سياسة فاشلة؟

لم ينل خبر غياب اسم عبد الرحيم بوعيدة عن اللوائح الأولية لمرشحي حزب الاستقلال، الاهتمام، على اعتبار أن الأمر يشكل حدثا سياسيا أثار أكثر من علامة استفهام.
فالرجل الذي ظل لسنوات أحد أبرز الوجوه الحزبية بالجنوب، وجد نفسه خارج حسابات الحزب، سواء في دائرة الرحامنة أو المنارة بمراكش أو حتى في معقله بكلميم.
وما إن أُعلن عن اللوائح حتى خرج بوعيدة بتدوينة طويلة، أقرب إلى الاعترافات السياسية منها إلى رد فعل انفعالي… تحدث فيها الرجل عن النزاهة، وعن ثمن التمسك بالمبادئ، وعن “السياسي الفاشل” الذي لم يبع ضميره، ولم يحول المناصب إلى عقارات أو حسابات بنكية…
فالتدوينة كتبت بلغة أدبية رفيعة، لكنها في عمقها كانت رسالة مريرة إلى حزبه قبل أن تكون حديثا عن تجربته الشخصية.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما كتبه بوعيدة، بل بما كشفته هذه الواقعة عن طريقة تدبير حزب الاستقلال لملف التزكيات.
فالحزب، الذي طالما قدم نفسه باعتباره مدرسة في التنظيم والانضباط المؤسساتي، يبدو اليوم وقد دخل مرحلة من الارتباك غير المسبوق، فقرارات التزكية تصدر ثم تراجع، وأسماء تطرح ثم تختفي، وترشيحات تثير الجدل أكثر مما تخلق الاطمئنان داخل قواعد الحزب.
إن استبعاد اسم بحجم عبد الرحيم بوعيدة، سواء اتفق معه المتابعون أو اختلفوا حول تجربته، دون تقديم أي تفسير سياسي أو تنظيمي مقنع، لا يمكن اعتباره مجرد خيار انتخابي، بل هو مؤشر على أزمة أعمق في تدبير الاستحقاقات الداخلية، حيث تغيب المعايير الواضحة وتحضر الحسابات الضيقة، فيتحول الحزب من مؤسسة تؤطر التنافس إلى فضاء لتصفية التوازنات.
والمفارقة أن تدوينة بوعيدة، رغم ما حملته من دفاع عن الذات، تضمنت بين سطورها إدانة غير مباشرة لمنطق أصبح يحكم جزءا من الحياة الحزبية، منطق لا يكافئ بالضرورة الكفاءة أو التجربة، وإنما يخضع لمعادلات قد لا يفهمها حتى أبناء الحزب أنفسهم.
قد يختلف كثيرون مع بوعيدة في تقييم حصيلته السياسية، وقد يرى آخرون أنه لم يحقق ما كان منتظرا منه خلال رئاسته لجهة كلميم واد نون، لكن ذلك لا يلغي أن الطريقة التي انتهى بها مساره داخل حزب الاستقلال تطرح أسئلة مقلقة حول طبيعة القرار الحزبي، ومدى استقلاليته، والجهات التي أصبحت تتحكم في رسم الخريطة الانتخابية.
إن الأحزاب السياسية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصدها، وإنما أيضا بطريقة تدبيرها لاختلافاتها الداخلية، واحترامها لرموزها ومناضليها، ووضوحها في اتخاذ القرارات.
أما عندما تتحول التزكيات إلى لغز، ويصبح المناضلون يستيقظون على قرارات لا يعلمون كيف صنعت ولا من صنعها، فإن الأزمة لا تكون أزمة أشخاص، بل أزمة تنظيم وثقافة سياسية.
ولعل أخطر ما كشفته هذه الواقعة أن حزب الاستقلال، وهو يستعد لخوض استحقاقات انتخابية حاسمة، يبدو منشغلا بإدارة خلافاته الداخلية أكثر من انشغاله بإقناع الناخبين ببرنامجه، وهي صورة لا تخدم الحزب، مهما حاولت البيانات الرسمية أو الخطابات الحماسية إخفاءها.
لقد كتب عبد الرحيم بوعيدة أنه “سياسي فاشل”. لكن، بعيدا عن البلاغة الأدبية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه، هل فشل بوعيدة وحده، أم أن طريقة تدبير حزب الاستقلال للتزكيات كشفت أن الفشل بات يطاول آليات اتخاذ القرار داخل الحزب نفسه؟


Comments 0