سوق السيارات المستعملة بين نار الأسعار وجمود الطلب

لم يعد اقتناء سيارة مستعملة في المغرب خيارا متاحا بالسهولة نفسها التي كان عليها في السابق، فالسوق يعيش مفارقة لافتة، إذ ترتفع أسعار السيارات في الوقت الذي يتراجع فيه إقبال المواطنين على الشراء، لتجد شريحة واسعة من الراغبين في اقتناء سيارة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا، أسعار أعلى، ومصاريف استعمال أكبر، وقدرة شرائية محدودة.
ويؤكد مهنيون في تجارة السيارات المستعملة بمراكش، أن موجة الغلاء باتت واضحة في عدد من الفئات، حيث انتقلت سيارات كان ثمنها يتراوح في السابق بين 70 و75 ألف درهم إلى حدود 85 ألف درهم، دون أن يواكب هذا الارتفاع ارتفاع مماثل في حجم الطلب. ويقول التجار إن الزبون أصبح يدخل السوق بميزانية أكثر حذرا، ويفكر طويلا قبل اتخاذ قرار الشراء.
ولا يتوقف الأمر عند ثمن السيارة، فارتفاع أسعار المحروقات جعل تكلفة الاستعمال حاضرة بقوة في حسابات المشترين، بعدما أصبح السؤال المطروح عند اقتناء أي مركبة يتجاوز “كم سأدفع لشرائها؟” إلى “كم ستكلفني شهريا؟”.
هذا التحول دفع عددا من المواطنين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، مع تنامي الطلب على السيارات الاقتصادية التي لا تستهلك كميات كبيرة من الوقود، وفي مقدمتها سيارات “داسيا”، مقابل تراجع الاهتمام ببعض الطرازات ذات الاستهلاك المرتفع، حتى وإن كانت أسعارها في سوق المستعمل تبدو في متناول اليد نسبياً.
وفي المقابل، لا يرى التجار في ارتفاع الأسعار مكسباً مضموناً، بل يجد بعضهم نفسه عالقاً بين كلفة اقتناء مرتفعة وسوق بطيئة الحركة. فقد يشتري التاجر سيارة بثمن مرتفع، ثم يضطر إلى انتظار فترة أطول للعثور على مشترٍ يقبل بالسعر نفسه، بينما يظل رأس المال مجمداً وتستمر تكاليف التخزين والمصاريف المرتبطة بالمركبة.
واللافت أيضاً هو انحسار السيارات التي كانت تشكل ملاذاً لذوي الميزانيات المحدودة، خصوصاً تلك التي كانت تباع في حدود 20 ألف درهم. ويؤكد مهنيون أن هذه الفئة أصبحت نادرة بشكل متزايد، ما ضيق هامش الاختيار أمام المواطنين الذين لم تعد ميزانيتهم تسمح بمجاراة الأسعار الحالية.
وهكذا، يبدو أن سوق السيارات المستعملة دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السعر وحده هو المحدد لقرار الشراء، بل أصبحت معادلة الاقتناء مرتبطة بثلاثة عناصر متشابكة: ثمن السيارة، وكلفة الوقود، والقدرة الشرائية. وبينما يترقب التجار عودة الحركة إلى السوق، يجد المواطن نفسه أمام سوق ترتفع فيه الأسعار في وقت يبدو فيه الطلب أكثر هدوءاً من أي وقت مضى.

Comments 0