غابة 33 بالمنصورية.. جثتان توقظان الدرك من سبات الأسئلة.. فأين كانت المراقبة قبل أن تتحول الغابة إلى بؤرة للرعب؟

تعبئة أمنية بمئات العناصر بعد الفاجعة، وأوكار عشوائية ومخدرات وخيام بلاستيكية في قلب المجال الغابوي.. فهل كان ضروريا أن يسقط ضحيتان حتى تتحرك كل هذه القوات؟
لم تعد غابة 33، الواقعة على مستوى جماعة المنصورية بإقليم بنسليمان، مجرد فضاء طبيعي يفترض أن يكون متنفسا لسكان المنطقة، بل أصبحت عنوانا مقلقا لأسئلة أمنية تتجاوز حدود الواقعة المأساوية التي هزت الرأي العام، بعد العثور على جثتي شابين داخلها، يوم الاثنين 2 نونبر الجاري.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بكشف ظروف وفاة الشابين، وتحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بجريمة قتل مدبرة، وإنما باتت تفرض فتح نقاش أوسع حول واقع منطقة ظلت، وفق التقارير الإعلامية المتواترة، والفيديوهات التي انتشرت، مرتبطة بأنشطة مشبوهة وترويج للمخدرات، والسرقة والقال، في ظل تساؤلات متزايدة حول فعالية المراقبة الأمنية ومدى استمرارية التدخلات الميدانية.
والأكثر إثارة للقلق أن ما يجري الحديث عنه اليوم لم يظهر فجأة، ولم يبدأ مع العثور على الجثتين. فقد سبق أن شهدت المنطقة تدخلات أمنية استهدفت أوكارا عشوائية ونقطا تأكد استغلالها في انشطة غير قانونية، ما يعني أن المؤشرات كانت موجودة، وأن الحاجة إلى معالجة أمنية مستدامة لم تكن وليدة هذه الفاجعة.
بل إن معطيات نشرتها وسائل إعلام يوم 3 نونبر كشفت أن عناصر الدرك الملكي بالمنصورية نفذت، في 21 أكتوبر الماضي، حملة تمشيطية أسفرت عن هدم أوكار عشوائية وحجز 78 قارورة من المشروبات الكحولية وكمية من المخدرات، دون تسجيل توقيفات!!!؟؟؟
وهنا بالضبط تبدأ الأسئلة المحرجة، فإذا كانت هذه المظاهر معروفة، وإذا كانت عمليات التمشيط قد كشفت وجود أوكار ومواد ممنوعة داخل الغابة، فما الذي منع من تحويل تلك التدخلات إلى خطة أمنية دائمة؟ وهل يكفي هدم بعض الأكواخ وحجز بعض المحجوزات للقول إن المنطقة أصبحت آمنة؟
إن ما وقع يطرح علامات استفهام ثقيلة حول جدوى المقاربة التي ظلت تعتمد على تدخلات متفرقة، دون أن تنجح، بحسب ما تكشفه التطورات الأخيرة، في تبديد المخاوف المرتبطة بهذا الفضاء الغابوي.
مئات العناصر تتحرك.. ولكن لماذا الآن؟
لعل أكثر ما يستوقف المتابع لتطورات هذه القضية هو حجم التعبئة الأمنية التي عرفتها المنطقة عقب العثور على جثتي الشابين.
فقد جرى تسخير حوالي 260 عنصرا من الدرك الملكي، إلى جانب نحو 58 عنصرا من القوات المساعدة، في عملية تمشيط واسعة امتدت لعشرات الكيلومترات داخل الغابة ومناطق غابوية مجاورة.
ولم تقتصر العملية على الانتشار البشري، بل استعانت الفرق المتدخلة بالكلاب المدربة وطائرات الدرون، مع هدم خيام بلاستيكية وأكواخ عشوائية، والعثور على أنواع مختلفة من المخدرات ودراجات نارية متخلى عنها ومحروقة، فضلا عن سيارات كانت موضوع بحث بعد اختفائها من مدينة بنسليمان.
وإذا كانت هذه التعبئة تستحق التنويه من حيث حجم الإمكانيات المسخرة والانتشار الميداني، فإنها تفتح في المقابل بابا واسعا للمساءلة، فهل كانت كل هذه الإمكانيات تحتاج إلى فاجعة بحجم العثور على جثتين حتى يتم تسخيرها بهذا المستوى؟
وهل كانت هذه البؤر الغابوية بعيدة عن أعين المراقبة إلى درجة أن تتحول إلى فضاءات تستدعي اليوم تعبئة مئات العناصر والكلاب البوليسية والطائرات المسيرة لتفتيشها؟
غابة يعرفها الجميع.. فمن كان يراقبها؟
إن السؤال الأكثر إلحاحا لا يتعلق فقط بمن يقف وراء وفاة الشابين، فذلك من صميم التحقيق القضائي الجاري تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وإنما يتعلق ايضا بكيفية استمرار الحديث محلبا عن أنشطة مشبوهة داخل الغابة، وعن أوكار عشوائية ونقط لترويج المخدرات، دون أن تنجح التدخلات السابقة في إنهاء المخاوف بشكل نهائي.
فهل توصلت الجهات المختصة بإشعارات أو شكايات بشأن هذه المظاهر؟ وهل جرى تحديد النقط التي تستغل في هذه الأنشطة ومراقبتها بصورة منتظمة؟ وهل هناك تقييم فعلي لنتائج الحملات السابقة، أم أن الأمر ظل محصورا في عمليات ظرفية تنتهي بانتهاء التدخل؟
ثم أين هي المقاربة التي تربط بين المراقبة الأمنية والتتبع المستمر للمناطق الغابوية المعزولة، وتمنع عودة الأوكار بعد هدمها؟
إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول التعبئة الأمنية الحالية إلى مجرد رد فعل قوي ومؤقت، سرعان ما يخفت بمجرد انحسار الاهتمام الإعلامي بالقضية.
فالمطلوب اليوم أكبر من هدم خيام أو أكواخ، وأبعد من حجز كميات من المخدرات أو إزالة بعض المظاهر العشوائية.
المطلوب اليوم هو تحديد الشبكات والأشخاص الذين قد يكونون وراء الأنشطة غير القانونية، والتحقيق في امتداداتها المحتملة، ورصد المسالك التي تستغلها، مع ضمان استمرار المراقبة وعدم السماح بإعادة إنتاج البؤر نفسها في أماكن أخرى.
فهل ستشكل فاجعة غابة 33 نقطة تحول حقيقية في تدبير الملف الأمني للمنطقة، أم أننا أمام حملة استثنائية أخرى ستنتهي بانتهاء الضجيج الإعلامي، لتعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة عند وقوع مأساة جديدة؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي، وليس حجم الاستنفار الذي تشهده الغابة اليوم.

Comments 0