صوت اليوم - voicetoday

“الهاربات” … من الفرار إلى الاستغلال

يتحولن إلى فريسة لشبكات الدعارة لغياب حماية أسرية وموارد مالية

لا تنتهي معاناة فتيات بمجرد مغادرة بيت الأسرة، بل قد تبدأ مرحلة أكثر قسوة، حين يجدن أنفسهن في الشارع، دون حماية أسرية أو موارد مالية أو مكان آمن للإقامة. وفي ظل هذه الهشاشة، تتحول بعض «الهاربات» إلى أهداف سهلة لأشخاص وشبكات تتربص بالفتيات اللواتي فقدن السند العائلي.
وتبدأ الحكاية، في عدد من الحالات، بعرض يبدو في ظاهره فرصة للنجاة. شخص يعرض المساعدة، أو السكن، أو العمل، قبل أن يتحول الأمر تدريجيا إلى استغلال وابتزاز، خصوصا عندما تكون الفتاة بلا دخل ولا مأوى. ومع مرور الوقت، تجد الضحية نفسها أمام واقع يصعب الخروج منه، بعدما تصبح تحت رحمة شخص يستغل حاجتها وخوفها من العودة إلى الأسرة.
وتزداد خطورة الوضع عندما يتعلق الأمر بقاصرات، إذ يمكن أن يتحول الهروب من المنزل إلى بوابة للاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر.
وسبق أن أثيرت بالبيضاء قضايا استغلال “هاربات” ومنهن قاصرات، يتم التربص بهن بالمحطة الطرقية أولاد زيان، إذ كشف البحث عن شبكة تتزعمها امرأة، لم يقتصر نشاطها في عرضهن على الباحثين عن اللذة، بل أيضا الاتجار في الأطفال والرضع، إذ كانت تتعمد حملهن ورعايتهن بمكان خاص، وبعد الوضع، تعرض الرضيع للبيع.
«الهاربة» تكون أكثر عرضة للتلاعب النفسي والاستدراج، سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يمكن للمستغل أن يقدم نفسه في البداية باعتباره شخصا يريد مساعدتها أو توفير فرصة عمل لها.
ولا تقتصر عملية الاستغلال على شخص واحد بالضرورة، إذ قد تتداخل فيها أدوار الوسطاء والمستغلين وأصحاب الأماكن التي يتم فيها استغلال الضحايا. وفي بعض الحالات يستخدم الابتزاز والتهديد والعنف أو حجز الوثائق والهواتف لإجبار الضحية على الاستمرار.
ويرى مهتمون بالموضوع أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في تفكيك الشبكات وإيقاف المتورطين، بل تحتاج أيضا إلى تدخل اجتماعي ونفسي لحماية الفتيات وإعادة إدماجهن. فـ”الهاربة” ليست بالضرورة مجرمة، وقد تكون في الأصل ضحية لعنف أسري أو تفكك عائلي أو ظروف اجتماعية دفعتها إلى مغادرة المنزل.
وبين الهروب للبحث عن الأمان والسقوط في قبضة المستغلين، تبدو الحاجة ملحة إلى آليات أكثر فعالية للتدخل المبكر، خصوصا في حالات القاصرات، حتى لا يتحول غياب الأسرة إلى فرصة لشبكات لا ترى في الضحية سوى مصدر للربح.
وتكشف هذه الحالات عن حلقة مفرغة تبدأ غالبا بمشكلة داخل الأسرة، ثم بالهروب، لتنتهي في بيئة أكثر قسوة واستغلالا. فغياب المأوى والدخل يجعلان الفتاة في حاجة دائمة إلى من يوفر لها الأكل والسكن، وهي حاجة يستغلها أشخاص يتربصون بالضحايا. كما أن الخوف من الفضيحة أو من العودة إلى الأسرة يدفع بعضهن إلى الصمت، ويمنح المستغلين مساحة أكبر للضغط والتهديد.

error: Content is protected !!