خصام عائلي يفضح جريمة قتل

ملاسنات انتهت بإفادة الدرك الملكي بدفن سري لجثة امرأة بفناء منزل قروي
كان ذلك الدوار بضواحي الجديدة هادئا في ذلك اليوم الحار من صيف قائظ، لما توقفت دوريتان للدرك الملكي وترجل منهما ثمانية أفراد، تظهر على وجوههم علامات توجس كبير، لحظتها تجمهر عدد كبير من سكان الدوار، يتهامسون في ما بينهم حول أسباب حضور “أصحاب الوقت”، فمن قائل إن الأمر يتعلق بسرقة موصوفة إلى الشك في أنه مرتبط بالاتجار في الممنوعات، وبين هذا وذاك توقفت سيارة رجال وقاية مدنية تحمل معاول حفر، هي اللحظة التي ساد فيها صمت رهيب واشرأبت فيها الأعناق لمعرفة الحقيقة.
لنترك رجال الدرك والوقاية المدنية يبعدون الفضوليين ويتخذون ترتيباتهم اللازمة في مثل هذه الواقعة، ونضعكم في الصورة العامة. فقبل سنتين من وقوع جريمة نكراء بالمنزل القروي المعني بزيارة الدركيين، كان هناك شاب يقطن به رفقة عائلته ووالديه وبعض أشقائه وشقيقاته، كان هو وسطهم من حيث السن، ولما اشتد عوده قررت والدته أن تزوجه فتاة من دوار يبعد عنهم ببضعة كيلومترات، وكان الزواج وفق الطريقة التقليدية التي تبنى على اختيار الوالدين، دونما حاجة إلى الاستئناس بمن تعنيهم العلاقة الزوجية، وحتى وإن كان الابن غير متفق على الاختيار فإنه ساير والدته، وتمت الخطبة وفق المتعارف عليه، وأقيم عرس حضره الأهل والأقارب، وزفت العروس إلى بيت زوجها مع عائلته.
لم تكن الأمور توحي منذ البداية بتفاهم بين العروسين، لأنهما لم يكونا يعرفان بعضهما البعض، وعوض أن تقرب الأيام بينهما، اتسع بون الخلافات إلى درجة لم تعد تطاق أبدا، ماولد قناعة أنه “زواج من الخيمة خرج مائلا”، ولم تفلح وساطة العائلتين في رأب تصدعاته، إذ دأبت الزوجة الشابة على الهروب لدى والديها “غضبانة”، تعقب ذلك عودتها بعد تدخلات وتوسلات والتزام بفتح صفحات جديدة.
وعاد الزوج من السوق بعد يوم شاق يحمل معه ” التسويقة”، والتأم الجميع حول “صينية” الشاي وبعض الفواكه الجافة و”طايب وهاري” كعادة سكان الوسط القروي، وما هي إلا لحظة حتى وقع تلاسن حاد بينه وبين زوجته، وفي لحظة غضب هوى على رأسها ب” براد شاي” بضع ضربات قوية، كانت كافية لجعلها تنخرط في غيبوبة دامت طويلا، ولم ينفع رشها بالماء والرائحة في استعادة وعيها، وبعد ساعة أيقن الجميع أن المصيبة حلت وأنها فارقت الحياة.
دفن وإبلاغ عن اختفاء
ساد وجوم كبير لحظة مفارقتها الحياة، فمن قائل بضرورة إخبار الدرك الملكي لأن الأمر يتعلق بجريمة قتل، ومن ناصح بضرورة دفن الجثة وطمس معالم الجريمة إلى الأبد، حماية للقاتل من عقوبة حبسية طويلة.
وفي الأخير تم الاتفاق على الطرح الثاني، وما هي إلا لحظات حتى كان قبر الضحية محفورا بفناء المنزل وسط حيطة كبيرة، حيث تم التخلص من الجثة وسط اتفاق الجميع على التكتم التام عما وقع.
وفي اليوم الموالي تم إبلاغ والد العروس الضحية أنها خرجت من بيت الزوجية دون إذن، ومن المرجح أن تكون قد جاءته كالعادة غاضبة وهو ما نفاه قطعا، لحظتها زار الزوج القاتل مركز الدرك الملكي، وأبلغ عن اختفاء زوجته في ظروف غامضة، وتم فعلا تسجيل بحث لفائدة العائلة عسى أن تظهر بعد حين.
وبالفعل تم إقناع والدها بواقعة الاختفاء، حيث ظل البحث عنها في كل الأماكن التي يمكن أن تتردد عليها دون جدوى، وتوالت السنوات تباعا دون أن يظهر لها أثر يذكر، حتى يئس والدها وأهلها من عودتها وطويت صفحتها إلى الأبد.
نزاع إرث يكشف المستور
اعتقد أهل الجاني أن مقتل عروسه أضحت سرا مدفونا في بئر كما يقال، لكن ذات يوم انكشف الأمر جراء نقاش حاد بين الجاني وشقيقه الأكبر حول إرث مشترك، واحتد الأمر بينهما حد المشاجرة، أقسم بعدها الأخير بإبلاغ الدرك الملكي بكل تفاصيل قتله لزوجته ودفنها بفناء المنزل.
وبالفعل كانت الساعة الثامنة صباحا لما كان أمام مكتب قائد المركز، حيث أفاده بكل التفاصيل ورافقه فريق بحث إلى حيث دلهم على دفن جثة الزوجة القتيلة.
ولدى وصولهم، قام رجال الوقاية المدنية بالحفر واستخرجوا رفات الهالكة وسط استنكار كبير ممن حضروا من سكان الدوار.
تقديم أمام العدالة وإفراج
ألقى الدركيون القبض على الجاني الذي حضر كل تفاصيل الاستخراج، وتم الاستماع إليه في محضر رسمي سرد فيه كل لحظات ليلة القتل، وقدم أمام النيابة العامة بتهمة الضرب والجرح المفضيين إلى الموت دون نية إحداثه، كما قدم أفراد من عائلته بتهمة عدم التبليغ عن وقوع جناية، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع ينتظر إنزال عقوبات مشددة عليهم، لعب التقادم لصالحهم جميعا، حيث أفرج عنهم الوكيل العام، لأن جناية القتل مضى عليها أمد التقادم الجنائي.


Comments 0